أحمد الشرباصي

28

موسوعة اخلاق القرآن

وأصحاب الخلق الكريم والطبع السليم والشعور القويم هم الذين يحزنون حينما يحسون أنهم قد قصروا في شيء من حقوق الأمانة ، ولو عن غير قصد ، وحينئذ تتمزق قلوبهم أسفا وحسرة على ما فرط منهم ، ومن أمثلة هؤلاء الصحابي الجليل أبو لبابة رضي اللّه عنه . تحدثت عن شعوره بتبعة الأمانة في كتابي « الفداء في الاسلام » فقلت : « لقد حدث في أثناء غزوة الأحزاب ان غدر يهود بني قريظة بالرسول والمسلمين ، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ، وانضموا إلى المشركين في وقت شديد عصيب ، وشاءت عناية اللّه أن تحقق حملة الأحزاب ، وتوجه الرسول بعدها إلى تأديب الغدرة الفجرة من بني قريظة ، وتمكن منهم بعد حصار طال وامتد ، وطلب هؤلاء من الرسول ان يبعث إليهم بالصحابي أبي لبابة ، وكان حليفا لهم في الجاهلية ، وكان له بينهم مال وعقار ، فحسبوا أنه سيكون سبب تخفيف عنهم ، ولما وصلهم أبو لبابة أخذوا يسألونه : أيسلمون وينزلون على حكم النبي ؟ . فقال لهم : نعم . ثم بدرت منه بادرة غير مقصودة ، فأشار بيده إلى حلقه إشارة يفهم منها أن مصيرهم هو القتل ، ولعله كان قد عرف ذلك من الرسول أو استنتجه ، وهو قصاص عادل من غير شك . وما كاد أبو لبابة رضي اللّه عنه يأتي بهذه الإشارة حتى تنبه لنفسه في خوف وجزع ، وأحس وكأنه خان أمانة اللّه ورسوله ، في هذه الإشارة ، لأنه كشف شيئا كان يجب عليه - ولو في اعتقاده - أن يخفيه ، فعصره الألم والحزن ، وقال : « فو اللّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت اني خنت اللّه ورسوله » .